الأحد، أبريل ١١، ٢٠١٠

شاهد الحلقة فلاش

المحاضرة السادسة من علوم القرآن لـ أ.د محمد جبريل
شاهد الحلقة فلاش
جمع القرآن الكريم وترتيبه
يُتوقع منك عزيزي الدارس تحقيق الأهداف التالية:
1- أن تعرف معنى جمع القرآن الكريم.
2- أن تدرك كيفية جمع القرآن الكريم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
3- أن تعرف دواعى جمع القرآن الكريم في عهد أبى بكر الصديق رضي الله عنه.
4- أن تعرف الباعث على جمع القرآن فى عهد عثمانرضي الله عنه .
5- أن تدرك الفرق بين جمع القرآن فى العهود الثلاثة.
6- أن تفند بعض الشبهات المثارة حول جمع القرآن.
7- أن تعرف كيفية ترتيب الآيات فى سورها.
8- أن تعرف كيفية ترتيب السور فى المصحف.
يتضمن هذا الفصل النقاط التالية:
1- معنى جمع القرآن الكريم.
2- جمع القرآن الكريم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
3- جمع القرآن الكريم في عهد أبى بكر الصديق رضي الله عنه.
4- جمع القرآن فى عهد عثمان رضي الله عنه، وفيه:
أ – الباعث على هذا الجمع
ب- القائمون به، ومنهج العمل فيه.
ج – المصاحف التى كتبت فى هذا الجمع
د- موقف عثمان رضى الله عنه من المصاحف الأخرى المخالفة.
ه‍- مصير صحف أبى بكر رضى الله عنه.
5- الفرق بين جمع القرآن فى العهود الثلاثة.
6- رد بعض الشبهات المثارة حول جمع القرآن.
7- ترتيب الآيات فى سورها.
8- ترتيب السور فى المصحف
أولاً: معنى جمع القرآن الكريم
أصل كلمة الجمع في اللغة: ضّم المتفرق بتقريب بعضه من بعض وجعله في مكان واحد، وبهذا يتمكن الجامع للشئ من استقصائه والإحاطة به، فجمع القرآن –على ذلك- معناه استيعابه والإحاطة به، ولهذا الاستيعاب طريقان:
الأول: حفظه كله واختزانه في العقل، فذلك إحاطة به في صدور الحفاظ.
والثانى: كتابته كله فذلك إحاطة به في السطور المكتوبة، وعليه فغن جمع القرآن يطلق تارة ويراد به الحفظ في الصدور، ويطلق تارة أخرى ويراد به الكتابة في السطور، ولكلٍ من الإطلاقين شاهد يؤكد صوابه.
فشاهد الإطلاق الأول: ما أورده البخاري رحمه الله تعالى من قول قتادة لأنس رضي الله عنه: «من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم …»([1]) أي: من حفظه كله، وسيأتي تفصيل ذلك.
وشاهد الإطلاق الثانى: ما أورده البخاري كذلك من قول أبى بكر رضي الله عنه لزيد بن ثابت رضي الله عنه: «فتتبع القرآن فاجمعه..»([2]) أي اكتبه كله، وسيأتي تفصيل ذلك في الحديث عن جمع أبى بكر للقرآن.
ثانياً: جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
أ- الباعث على هذا الجمع:
من خصائص رسالة النبي صلى الله عليه وسلم أنها رسالة عالمية، ليست لقوم دون قوم، بل لجميع الخلق وأنها كذلك رسالة خاتمة، أتم الله تعالى بها الرسالات وختم بها النبوات، أما كونها عالمية، فيقرره قول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (سـبأ: 28)، وكذلك قوله عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء: 107).
وأما كونها خاتمة فيقرره قول الحق تبارك وتعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (الأحزاب: 40).
وقد اقتضت تلك الخصائص لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون معجزته خالدة باقية يتحدى بها جميع البشر إلى آخر الزمان، فكانت تلك المعجزة هى القرآن الكريم، الذي أنـزله الله تعالى هدى ورحمة للعالمين كما اقتضى التحدى والإعجاز بهذا الكتاب أن يُحْفَظ بنصه المنـزل حفظاً تاماً لا يحتمل معه أدنى زيادة أو نقص أو تغيير، ومن ثم نهض النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم
لجمع القرآن، أي حفظه في صدورهم منذ بدأ نـزوله، وتتابعت أمة الإسلام بعد ذلك في أجيالها وعصورها المتعاقبة على هذا الحفظ، وامتلأت الأرض في شرق وغرب، وفي أجناس البشرية بحفاظ كتاب الله تعالى.
(ب) كيف تم جمع القرآن حفظا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
على الرغم من أن القرآن الكريم قد جمع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حفظا، وكذلك كتابه – كما سيأتي بيانه- إلا أن المعول في هذا العهد كان على الحفظ في الصدور أكثر منه على الكتابة في السطور.
ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم رسول أمي قد بعث في قوم أميين لا يقرأون ولا يكتبون، قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة: 2).
لكن الله تعالى قد عوضهم عن عدم معرفتهم القراءة والكتابة: قوة الذاكرة، وصفاء الأذهان، وملكة الحفظ الدقيق، فكانوا كما قيل في شأنهم: أَنَاجِيلُهُم صدورهم.
ولقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه - من هذا المنطق- على حفظ القرآن حفظا دقيقاً واضحاً غير ملتبس.
أما بالنسبة للنبى صلى الله عليه وسلم: فقد تجلى ذلك منه في حرصه الشديد – في أوائل نـزول الوحي- على ترديد القراءة خلف جبريل عليه السلام عندما كان ينـزل بالقرآن، خشية أن يتفلت منه شئ حتى طمأنه الله تعالى بضمان حفظه، وعدم ضياع شئ منه، فقد أخرج مسلم رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نـزل جبريل عليه بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه ذلك، فكان ذلك يعرف منه، فأنـزل الله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) أخذه- أي لتأخذه على عجل مخافة أن ينفلت منك – (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) إن علينا أن نجمعه في صدورك، وقرآنه: فتقرأه (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) قال: أنـزلناه فاسمع له، إن علينا بيانه أن نبينه بلسانك، فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله.([3])
ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم كان يملى ما ينـزل عليه من القرآن على كتاب الوحي–كما سيأتيك خبره- ومعلوم أن من حفظ شيئا ثم أملاه على غيره كان ذلك من عوامل تثبيت هذا الحفظ، إضافة إلى أن جبريل عليه السلام كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن – أي يراجعه معه- في رمضان من كل عام.
وأما بالنسبة للصحابة رضوان الله عليهم، فقد كان حرصهم على حفظ القرآن واستظهاره حرصاً شديداً، دفعهم إلى ذلك الحرص:
1- أميتهم فلم يكن لهم وسيلة للإحاطة بالقرآن غير وسيلة الحفظ سيما في أول النـزول.
2- معرفتهم قدر القرآن الذي أنـزلوه من أنفسهم منـزلة الروح من الجسد، فتفاضلوا به عندما كان غيرهم يتفاضل بالدرهم والدينار وانطلقوا في هذا التفاضل من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»([4]) وكذلك من أن القرآن يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، ففي الحديث الصحيح: عن أبى أمامة الباهلى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القرآن شفيعا لأصحابه، اقرأوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان([5]) أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما»([6]).
وكذلك لما علموا أنه يؤم القوم –أي يتقدمهم- أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فتباروا في حفظه، وارتفعت من منازلهم أصواتهم بقراءته في مسفرهم وإقامتهم، وبالقراءة كان القوم يعرفون ويميزون عن غيرهم.
ففي الحديث الصحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنى لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نـزلوا بالنهار»([7]).
3- ما علموه من الأجر الجزيل والثواب العظيم المترتب على قراءة القرآن، بل على الحرف الواحد فيه: ففي الحديث: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثاله، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف».([8])
(ج) من جمع القرآن حفظاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والرد على ما أثير حول ذلك.
عرفنا مدى حرص الصحابة رضوان الله عليهم على حفظ القرآن، هذا الحرص الذي دفعهم إلى التنافس في ذلك تنافساً أدى إلى حفظ أعداد غفيرة منهم لكتاب الله تعالى، وهذا واقع لا جدال فيه، وحقيقة لا مراء فيها.
لكن البعض أورد هنا إشكالا مفادة: أن بعض الأحاديث قد وردت بحصر حفظه القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في عدد قليل..
فقد أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو زيد، قال ونحن ورثناه.([9])
فكيف يتفق ذلك وما ينبغى للقرآن من جموع تحفظه ويتواتر النقل عنها، حتى يُطْمأن إلى سلامة هذا الكتاب الكريم؟ لقد عرض العلماء ذلك وأجابوا عليه بإجابات كافية شافية نعرض أوضحها فيما يلي:
أولاً: ورود روايات صحيحة أخرى تثبت الحفظ لأكثر ممن ذكر في الحديث السابق، فقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عمرو وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خذوا القرآن من أربعة: من عبدالله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبى بن كعب»([10]).
كما أخرج البخاري عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: «من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبى بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد»([11]).
يتحصل من ذلك أن الذي جمع القرآن من خلال هذه الأحاديث سبعة من الصحابة، وهم: عبدالله بن مسعود وسالم بن معقل مولى أبى حذيفة ومعاذ بن جبل، وأبى بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وأبو الدرداء. وعليه، فإن قصر الحفظ على أربعة في حديث أنس الأول قصر نسبى مبنى على علمه وما وصل إليه، وليس حقيقيا، لأن قصر حفظ القرآن على هؤلاء الأربعة يقتضى أن يستقرئ أنس رضي الله عنه كل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويسألهم عن حفظهم فرداً فرداً، وهذا غير متأت مع تفرق الكثير منهم في الأنصار.
ثانياً: بينا فيما سبق حرص الصحابة رضوان الله عليهم وإقبالهم على حفظ القرآن بما لا يتفق والحصر في هذا العدد.
ثالثاً: نسوق هنا ما قاله الإمام النووى رحمه الله تعالى في شرح حديث أنس في جمع الأنصار القرآن، وتوجيهه إياه، بكلام يجمع أوجها من الرد مقبولة لا غموض فيها ولا اعتساف، قال رحمه الله تعالى عن هذا الحديث: «وإنه ليس فيه تصريح بأن غير الأربعة لم يجمعه، فقد يكون مراده: الذين علمهم من الأنصار أربعة، وأما غيرهم من المهاجرين والأنصار، فلم ينفهم، ولو نفاهم كان المراد نفي علمه، ومع هذا فقد روى غير مسلم حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر منهم المارزى خمسة عشر صحابيا، وثبت في الصحيح أنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن مع القرآن، وكانت اليمامة قريبا من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء الذين قتلوا من جامعيه يومئذ، فكيف الظن بمن لم يقتل ممن حضرها ومن لم يحضرها وبقى بالمدينة أو بمكة أو غيرهما، ولم يذكر في هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ونحوهم من كبار الصحابة الذين يبعد كل البعد أنهم لم يجمعوه مع كثرة رغبتهم في الخير وحرصهم على ما دون ذلك من الطاعات، وكيف نظم هذا بهم، ونحن نرى أهل عصرنا حفظة في كل بلدة ألوف مع بعد رغبتهم في الخير عن درجة الصحابة، مع أن الصحابة لم يكن لهم أحكام مقررة يعتمدونها في سفرهم وحضرهم إلا القرآن وما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف نظن بهم إهماله، فكل هذا وشبهه يدل على أنه لا يصح أن يكون معنى الحديث أنه لم يكن في نفس الأمر أحد يجمع القرآن إلا الأربعة المذكورون.. ).
وهذا الكلام من النووى رحمه الله تعالى موجه إلى ما لم يصرح بالقصر من أحاديث أنس –كما هو واضح- أما يفيد القصر من حديثه الذي رواه البخاري، فقد أكمل الجواب في شأنه بقوله:
(إنه لو ثبت أنه لم يجمعه إلا الأربعة لم يقدح في تواتره، فإن أجزاءه حفظ كل جزء منها خلائق لا يحصون يحصل التواتر ببعضهم، وليس من شرط التواتر أن ينقل جميعهم جميعه، بل إذا نقل كل جزء عدد التواتر صارت الجملة متواترة بلا شك، ولم يخالف في هذا مسلم ولا ملحد، وبالله التوفيق)([12]).
(د) الباعث على كتابة القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف تم ذلك؟
على الرغم من أن المعول في جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان على الحفظ في الصدور، إلا أنه زيادة في الاستيثاق والحيطة للقرآن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن إلى جانب حفظه، وبذلك توفر للقرآن من وسائل الصيانة حفظا وكتابة ما ينفي احتمال الشك في كلمة منه فضلاً عن آيةٍ من آياته.
لقد كان القرآن الكريم ينـزل شيئا فشيئا على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان كلما نـزل منه شئ بادر صلى الله عليه وسلم بتبليغه لأصحابه مشافهة، وأمر مَنْ عنده من كتاب الوحي بتسجيله كتابه، وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الغرض عدداً من الصحابة ممن يجيدون القراءة والكتابة كتاباً للوحى، وقد بلغ هؤلاء الكتاب أكثر من أربعين كاتبا –كما نقل العلماء- منهم زيد بن ثابت، وأبى بن كعب وهو أول من كتب له صلى الله عليه وسلم بالمدينة، قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (وممن كتب له في الجملة: الخلفاء الأربعة - أبو بكر وعمر وعثمان وعلى – والزبير بن العوام، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، وحنظلة بن الربيع الأسدى وعبد الله بن الأرقم الزهرى، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة في آخرين)([13]). وهؤلاء الكتاب لم يكن يخلو من بعضهم مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد وردت السنة المطهرة بهذا التوجيه إلى التوجيه إلى الكتابة من النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج أبو داود رحمه الله تعالى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مما ينـزل عليه الآيات، فيدعو بعض كان يكتب له، ويقول له: (ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) وتنـزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك.([14])
ومع أن الكتابة وأدواتها لم تكن ميسورة في ذلك الوقت إلا أن الحرص على كتابة القرآن جعل الصحابة يتجشمون الصعاب في تحقيق هذا الهدف، فكتبوا فيما تيسرت لهم الكتابة عليه من العُسُب وهى: الأطراف العريضة من جريد النخل التي لم ينبت عليها الخوص، واللخاف وهى: الحجارة الرقيقة العريضة، والأكتاف، وهى: العظام المعروفة في الشاة أو البعير، والرقاع، وهى: القطع من الجلد وغيره، والألواح، وهى: الصحف العريضة من الخشب وغيره.
ثالثاً: جمع القرآن في عهد أبى بكر رضي الله عنه
(أ) الباعث على هذا الجمع ومن قام به
لم يمر وقت طويل على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وولاية أبى بكر رضي الله عنه أمر المسلمين حتى ثارت فتنة ارتداد جمهرة من العرب من أتباع مسيلمة الكذاب عن دين الإسلام، ولم يتقاعس أبو بكر رضي الله عنه في مواجهة الفتنة أو يتردد، بل قام بتجهيز جيش كبير فيه خيره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبعثه لقتال هؤلاء المرتدين، ودارت رحى حرب ضروس فيما يعرف بحروب الردة.
وقد استشهد في تلك الحرب عدد كبير من الصحابة من حفظه القرآن، أقل ما روى من التقديرات في عدده أنه بلغ سبعين شهيدا من هؤلاء الحفاظ.
وهنا تنبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهذا الأمر، وأهمَّهُ موت هؤلاء القراء، وخشى إن تكرر موت مثل هذا العدد في الحروب أن يفنى حفاظ القرآن، وبذلك يضيع شئ من القرآن يكون عند هؤلاء حفظا ولا يكون عند غيرهم، فدخل على أبى بكر رضي الله عنه، وأشار عليه بجمع القرآن وكتابته كله خشية ضياع شئ منه، فتردد أبو بكر رضي الله عنه في أول الأمر في أن يفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن عمر رضي الله عنه لم يتراجع، بل راح يبين له ضرورة فعل ذلك، وخطورة عدم الإقدام عليه، حتى وافق أبو بكر رضي الله عنه.
وتروى لنا السنة الصحيحة ما دار في ذلك، فقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «أرسل إلىّ أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه إن عمر أتانى فقال: إن القتل قد استحر –أي اشتد وكثر- يوم اليمامة بقراء القرآن، وإنى أخشى إن استحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأي عمر قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علىّ مما أمرنى به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل أبو بكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح له صدر أبى بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال...» الحديث([15])
ويتضح من الحديث أن الذي كلف بهذا العمل من قبل أبى بكر رضي الله عنه وهو: زيد بن ثابت رضي الله عنه، وقد ساق أبو بكر في حديث لزيد أسباب اختياره للقيام بهذا العمل الضخم، واختصاصه بذلك دون سواه، وذلك في قوله «إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم».
فقد اجتمع في زيد رضي الله عنه أربع صفات تؤهله للقيام بهذا العمل الكبير:
أولاها: القوة والجلد على تحمل مشقة هذا العمل الضخم والقيام بتبعاته وذلك في قوله «إنك رجل شاب».
ثانيها: الحصافة والذكر وسداد الرأي ورشد الفكر، وذلك في قوله: (عاقل).
ثالثها: الأمانة اللازمة لهذا العمل، فالقائم به مؤتمن على كتاب الله تعالى وذلك في قوله: (لا نتهمك).
رابعها: الخبرة الضرورية اللازمة لهذا الأمر، فلا ينبغى خوض غماره بدون خبرة كافية مؤهلة، وذلك في قوله: «وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم».
فقد مارس زيد هذا العمل من قبل بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أكثر كتاب الوحي حضوراً وعملاً.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (ذكر له أربع صفات مقتضية خصوصيته بذلك: كونه شابا، فيكون أنشط لما يطلب منه، وكونه عاقلا فيكون أوعى له، وكونه لا يتهم فتركن النفس إليه، وكونه كان يكتب الوحي، فيكون أكثر ممارسة له، وهذه الصفات التي اجتمعت له قد توجد في غيره لكن مفرقة)([16]).
(ب) منهج العمل في جمع أبى بكر رضي الله عنه للقرآن الكريم:
أما منهج العمل فقد جاء في آخر حديث زيد السابق عند البخاري، قال زيد: (فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال).
أي أن زيداً رضي الله عنه جعل يتتبع آيات القرآن لجمعه وكتابته من مصدرين:
أحدهما: ما كان مكتوبا على الجريد والحجارة وغيرها. وثانيها: من صدور الرجال، أي من حفظ الحفاظ، وقد تم الأمر على النحو التالى:
قام عمر رضي الله عنه فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، قال: وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان، وهذا يدل على أن زيداً كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقّاه سماعا مع كون زيد كان يحفظه، وكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط.([17])
وعليه: فالشاهدان المراد بهما: الحفظ والكتابة، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نـزل بها القرآن وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم لا من مجرد الحفظ.
وبالجملة فإن الدافع لهم إلى ذلك لم يكن معرفة القرآن من الصحف لعدم حفظهم له، فقد كان بين القائمين على الجمع حفاظ كبيرون، وإنما كان غرضهم من إحضار كل ما كتب من الصحف أمرين هما: مطابقة المحفوظ بالمكتوب ليكونوا على غاية الاطمئنان، وأن يكتبوا القرآن من عين ما كتب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(ج) مسألة تتعلق بخواتيم سورة براءة (التوبة) :
يقول زيد بن ثابت رضي الله عنه في نهاية حديثه السابق عند البخاري « … حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدها مع أحد غيره: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) حتى خاتمة براءة».
استشكل البعض ما ورد في حديث زيد حول آخر سورة براءة وقال: إن من آيات القرآن ما لم يتوفر له شروط المنهج المتبع فيه كله، وبذلك يمكن أن يتطرق احتمال الشك في قرآنيته لمخالفة هذا المنهج..
ولكن العلماء قد أجابوا على ذلك بما ينفي دلالة الحديث على فقدان شرط التواتر لخواتيم سورة براءة.
قال ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح الحديث: (قوله - أي زيد - «لم أجدهما مع أحد» أي مكتوبة، لما تقدم من أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها من النبي صلى الله عليه وسلم -أي مباشرة دون واسطة- وإنما كان زيد يطلب التثبيت عمن تلقاها بغير واسطة، ولعلهم لما وجدها زيد عند أبى خزيمة تذكروها كما تذكرها زيد، وفائدة التتبع المبالغة في الاستظهار-أي مراجعة الحفظ- والوقوف عندما كتب بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال بعد كلام للخطَّابى في نفس المعنى: (والحق أن المراد بالنفي نفي وجودها مكتوبة لا نفي كونها محفوظة)([18]).
وهذا حق لا تكلف فيه، فلو لم يكن زيد رضي الله عنه يحفظها لأنكرها على أبى خزيمة، ولما أقرها عمر رضي الله عنه عليها، ولما سّوغ الصحابة–مع عدم سماعهم بها- كتابتها في المصحف.
(د) هل أحدث أبو بكر رضي الله عنه بجمعه القرآن بدعة؟
قد يقول قائل: من المعلوم أن أبا بكر رضي الله عنه كان أشد الناس اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبعدهم عن إحداث شئ لم يفعله صلوات الله وسلامه عليه، فكيف يوافق على هذا العمل، ويشارك فيه بالتوجيه والمتابعة.
والجواب: أنه فعل ما فيه خير المسلمين ومصلحتهم، وما هو ضرورى لحفظ كتابهم، ثم إنه في واقع الأمر لم يحدث بكتابته القرآن شيئا لم يكن موجوداً من قبل.
فقد نقل الزرقانى رحمه الله تعالى عن الإمام أبى عبد الله المحاسبى في كتابه فهم السنن ما نصه: (كتابة القرآن ليست بمحدثه، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقاً في الرقاع والاكتاف والعُسُب، فأمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعاً، وكان ذلك بمنـزله أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القرآن منتشراً فمعها جامع وربطها بخيط، حتى لا يضيع منها شئ)([19]).
(ه‍) مزايا جمع أبى بكر للقرآن، والفرق بينه وبين جمع النبي صلى الله عليه وسلم:
المتأمل في جمع القرآن في عهد أبى بكر رضي الله عنه والمنهج الذي اتبع في هذا الجمع يجد أنه قد توفر لهذا الجمع مزايا وفوائد جعلته في أعلى درجات الثقة به
ويجمل الشيخ عبد الوهاب غزلان رحمه الله تعالى هذه الفوائد، فيقول ما نصه:
1- البحث عن القطع المختلفة التي كتب فيها القرآن من قبل، وجمعها قبل ضياع شئ منها أو تآكل حروفها.
2- تجديد كتابتها في صحف مجتمعة صالحة للاحتفاظ بها دائما.
3- اتصال السند الكتابى بالأخذ عن الصحف التي كتبت بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم كاتصال السند المتواتر في الرواية والتلقى عن الشيخ، فتكون كتابة أبى بكر بمثابة الطبقة الثانية من الشيوخ، وكتابة عثمان بمثابة الطبقة الثالثة، وهكذا مرات الإنتاج من المصاحف العثمانية، ولا يخفي ما في ذلك من الاهتمام بشأن القرآن والعناية بضبطه)([20]).
4- كما أن من مزايا هذا الجمع الذي كانت ثمرته تلك الصحف البكرية أنه تم على أدق وجوه البحث والتحرى، وأسلم أصول التثبيت وأبعدها عن الإرتجال أو التهاون.
5- أن مصحف أبى بكر قد اقتصر فيه على ما لم تنسخ تلاوته.
6- أنها ظفرت بإجماع الأمة عليها، فلم ينقل في خير صحيح أو ضعيف أن أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم جميعا قد أنكر على أبى بكر فعله، أو كان له حتى رأي آخر في كيفية هذا الجمع.
(و) كيف ثم حفظ مصحف أبى بكر رضي الله عنه؟
لقد كان مصحف أبى بكر رضي الله عنه هو المرجع الأول للقرآن كتابه، لما بُذِل فيه من الجهد والعناية، ومن ثم كان من الضرورى التعامل معه بما يتفق وتلك الأهمية القصوى، فقد كان هذا المصحف المرجع الأول في جمع عثمان رضي الله عنه بعد ذلك للقرآن، ولهذا حفظت تلك الصحف بعيداً عن احتمالات الضياع أو التلف.
يقول الشيخ الزرقانى رحمه الله تعالى: (وقد قوبلت تلك الصحف التي جمعها زيد بما تستحق من عناية فائقة، فحفظها أبو بكر عنده، ثم حفظها عمر بعده ثم حفظتها أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عن الجميع، حتى طلبها منها خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث اعتمد عليها في استنساخ مصاحف القرآن، ثم ردها إليها)([21]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) صحيح البخاري: ك/ فضائل القرآن، ب/ القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ح/5003.
([2]) صحيح البخاري: / فضائل القرآن، ب/ جمع القرآن، ح/ 4986.
([3]) صحيح مسلم: ك/ الصلاة، ب/ الاستماع للقراءة، ح/ 448.
([4]) أخرجه البخاري فى صحيحه: ك/ فضائل القرآن، ب/ خيركم من تعلم القرآن وعلمه، ح/ 5027.
([5]) الغمامة والغياية: السحابة.
([6]) أخرجه مسلم فى صحيحه: ك/ صلاة المسافرين، ب/ فضل قراءة القرآن، ح/ 804.
([7]) أخرجه مسلم فى صحيحه: ك: فضائل الصحابة، ب:من فضائل الأشعرين yج2499
([8]) أخرجه الترمذى فى سننه: ك/ فضائل القرآن، ب/16 ح/2910.
([9]) صحيح البخاري: ك/ فضائل القرآن ب/ القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ح/5004.
([10]) البخاري: نفس الموضع، ح/ (4999).
([11]) صحيح البخاري: ك/ فضائل القرآن، ب/ القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ح/ (5003).
([12]) شرح النووى لصحيح الإمام مسلم: 16/ 19، 20.
([13]) فتح البارى: 9/22 طبع دار المعرفة – لبنان – دون تاريخ.
([14]) سنن أبى داود: ك/ الصلاة، ب/ من جهة بالسملة، ح/786.
([15]) صحيح البخاري: ك/ فضائل القرآن، ب/ جمع القرآن، ح/ 4986.
([16]) فتح البارى: 9/13.
([17]) انظر فتح البارى للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: 9/14، 15.
([18]) فتح البارى بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلانى: 9/15.
([19]) مناهل العرفان فى علوم القرآن للشيخ/ محمد عبدالعظيم الزرقانى: 1/250.
([20]) البيان فى مباحث علوم القرآن: ص 185.
([21]) مناهل العرفان فى علوم القرآن: 1/253.

ليست هناك تعليقات: